السلطة الرابعةحوارات

مراد شبين لـ “خبر برس” : كنا في تلك الفترة مخيرين بين “الموت” و “الهجرة” !

مولود حمروش "شيخ طريقة" و خديجة بن قنة "أيقونة"

في حوار له مع موقع خبر برس الإخباري تحدث الإعلامي الجزائري المقيم بالخارج ، مراد شبين عن بدايته في التلفزيون الجزائري وخاصة أن ظهوره تزامن والعصر الذهبي للتلفزة الوطنية التي كانت تذهب بخطوات ثابتة نحو إعلام نزيه وغير مقيد وأضاف شبين الحديث عن برنامجه لقاء الصحافة الذي سطع نجمه في تلك الفترة ، وهو الذي جمع بين عمالقة السياسة في ذلك الوقت كالحكيم عبد الحميد مهري رحمه الله ورئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش وزعيم الجبهة الإسلامية للإنقاذ الشيخ عباسي مدني ، ومن جهة أخرى تكلم مراد شبين عن ظروف عمل الصحفي بعد توقيف المسار الإنتخابي والأزمة الأمنية وخاصة أنهم كانوا مخيرين بين “الموت” و “الهجرة” .

حاوره : علاء الدين مقورة

 

1 –في البداية الأستاذ مراد شبين إسم إرتبط بالجيل الذهبي للتلفزة الوطنية كيف تعرف نفسك لقراء خبر برس ؟
– شخصيا لا أعتقد أن هناك أجيالا من ذهب وأخرى من قصدير.. لكل جيل ظروف ومعطيات وقيم تؤثر في مساراته.. لو كان أبناء 2019 وُجدوا في 1954 لصنعوا الثورة مثل جيل نوفمبر.. ولو كان جيلنا يعمل في التلفزيون الرسمي اليوم، لعانى نفس ما يعانيه صحفيو هذا الجيل.. أما عن نفسي، فكل ما يمكن أن أقوله هو أنني شخص لم يسبق أن مارس مهنة غير التلفزيون، محررا ومذيعا ومراسلا ومعد برامج ورئيس تحرير.. تنقلت بين الجزائر وأبوظبي وواشنطن.. وتعلمت على مدى هذه العقود أن مهنة الصحافة تفرض عليك إما أن تسعى لأن تتعلم كل يوم.. أو “تڤاري” (تصفّ على الرصيف)
2 -صف لنا بدايتك الإعلامية وعن إلتحاقك بالتلفزيون الجزائري ؟
بدايتي كانت مفاجئة حتى بالنسبة لي.. تخيل معي متخرجا من الجامعة في الثانية والعشرين من عمره، لا يعرف أحدا في الوسط الإعلامي، ولا حتى في أي وسط آخر.. يسمع من أصدقائه عن مسابقة لتوظيف صحفيين في التلفزيون (وقد كان التلفزيون أنذاك امبراطورية مغلقة) فيستعير بذلة وربطة عنق ويذهب ليجرب حظه مع 60 مرشحا، ثم يجد نفسه من بين 3 فائزين في المسابقة.. والأغرب من ذلك أن تجد نفسك بمجرد دخولك إلى هذه الإمبراطورية في الواجهة: يتبناك معظم زملائك ويشجعونك ويدفعون بك إلى الأمام.. أعتقد أنني كنت محظوظا جدا في بداية مشواري المهني.. أدين بالكثير أيضا لموجة التغيير التي كانت تسعى السلطة السياسية أنذاك لفرضها على المشهد الإعلامي..
3 -كنت من بين الصحفيين الذين صنعوا مجد التلفزيون الجزائري حدثنا عن التلفزيون الجزائري قبل وبعد أحداث أكتوبر 1988 وعن التغييرات التي حدثت ؟
كما قلت لك، السلطة السياسية قبل أحداث أكتوبر كانت قد بدأت بفرض توجهاتها الجديدة، كانت تتبنى بقيادة رئاسة الجمهورية خطا ليبراليا واضحا في مواجهة التيار المحافظ داخل جبهة التحرير.. تجسد ذلك إعلاميا بإنشاء صحف “شبابية” مثل المساء وأوريزون.. وإطلاق برامج جريئة في القناة الإذاعية الثالثة، وبمحاولة تشبيب التلفزيون من خلال توظيف صحفيين ومذيعين لا تتجاوز معدلات أعمارهم 25 عاما.. لا أعتقد أن الخامس أكتوبر كان انتفاضة عفوية.. فقد شارك التلفزيون في شحن الناس ضد القطب المحافظ من النظام.. في تلك المرحلة، وأنا في بداياتي، اكتشفت كم كان دور التلفزيون محوريا لدى صناع القرار.. قبل وبعد أكتوبر.. التلفزيون قبل أكتوبر كان جهازاً يتدخل فيه الحزب والوزراء ومدراء المؤسسات الكبرى وأصحاب النفوذ، وبعد أكتوبر تحولت “التيليكومند” حصريا إلى قصر المرادية.. كانوا يريدون نقل الجزائر من نموذجها “البولشيفي” إلى نموذج غربي يعتمد التعددية “الشكلية” سياسيا وتحرير السوق اقتصاديا.. أرادوا تغيير النظام بتصفية صقوره مع الحفاظ على “حمائمه”.. وقد منحنا ذلك كصحفيين هامشا مقبولا لتحسين أدائنا وإبراز إمكانياتنا.. شخصيا، لم تكن تهمني أنذاك نوايا السلطة، ما دام الأمر يوفر حدا أدنى من الأجواء المهنية وفرصة للثورة على ما كنا نسميه “لغة الخشب” .. كنت وزملائي نعتقد أن الأمور ستتغير تدريجيا مع إقرار التعددية، حتى وإن ظلت الضغوط قائمة.. لكن ما بدا واضحا منذ منتصف 1989 أن الصدام بين مشروع السلطة ومشروع الفيس الذي اكتسح الساحة، حتمية لا مفر منها..
4 -سطع نجم مراد شبين في برنامج لقاء الصحافة بداية تسعينات القرن الماضي كيف كانت بداية برنامج لقاء الصحافة وخصيصا أنه عرف حيزا واسعا من الحرية في تلك الفترة ؟
لا أعرف كيف تم اختياري لإدارة البرنامج.. كنت في تلك الفترة قد حققت نجاحا في بعض التغطيات خارج الجزائر، وفي بعض الأعمال الوثائقية.. غير أن علاقتي بالسياسة وبالتجاذبات بين التيارات المختلفة كانت تقريبا منعدمة..
ما أعرفه عن نفسي حتى قبل دخولي إلى الجامعة، أن بيئتي المحافظة إلى حد ما جعلت مني بشكل عكسي، شخصا منفتحا على كل الأفكارإلا على التطرف والتخوين والتكفير والإقصاء والإملاء.. كنت ضد إرهاب الناس بالفلقات وقصائد الهجاء أو استمالتهم بتوزيع شهادات الوطنية ودرجات الولاء.. ربما ساعدتني هذه الخلفية على بناء علاقات ثقة مع معظم من التقيتهم من رؤساء وقادة الأحزاب السياسية أنذاك.. لقد طلبت مني إدارة التلفزيون رفقة زميلي رابح خذري وفريدة بسعة، تقديم برنامج مباشر ولمدة ساعتين وبحضور الجمهور، وهذه كلها أشياء تحدث لأول مرة، فوافقت دون تردد، بعد اجتماع مع مدير التلفزيون عبد القادر إبراهيمي، وانطلقت أول حلقة مع مولود حمروش ثم تلاه كل الفاعلين على الساحة، من بن بلة إلى بن خدة إلى عباسي إلى سعدي إلى آيت أحمد وبن جديد وبوضياف وغزالي وعميرات ونحناح وبوكروح وغيرهم .. كانت الضغوط كبيرة من كل الأطراف، خاصة مع تصاعد أزمة جبهة الإنقاذ التي كان يلتقي تحت سقفها ملايين الناس.. كانت جبهة من عدة تيارات .. فيها أشخاص مثلي ومثلك وفيها أيضا عناصر متشددة أقرب إلى ما يعرف اليوم بداعش.. لم يكن هؤلاء فقط هم من يعتبرون الصحفي منحازا ضدهم إذا لم يكن منحازا لرؤيتهم.. بل كانت معظم الأحزاب تشكك في نزاهتنا.. السلطة بدورها لم تكن تثق فينا.. شخصيا، كنت محسوبا على الارسيدي والفيس والنظام والافافاس وغيرهم، حسب المناسبات.. لكنني كنت أنطلق دائما من مبدأ أن دور الصحفي ليس أن يعجب الناس، بل أن يكون صادقا ونزيها معهم.. و ألا يتاجر بالثقة التي يبنيها مع مشاهديه ..
5 -صف لنا كيف كان التلفزيون قبيل توقيف المسار الإنتخابي أي بعد فوز الفيس في الدور الأول من التشريعيات ؟
يوم فاز الفيس في الدور الأول كنت أنا أغطي القمة الخليجية في الكويت رفقة وفد صحفي أذكر منهم علي بحمان وهابت حناشي في ما أعتقد.. فوجئنا طبعا بالأغلبية التي حققتها الجبهة لكننا لم نفاجأ بفوزها.. عندما عدت إلى الجزائر، اكتشفت حجم الاحتقان في كل مكان.. كان هناك من يحذر الناس من إعدامات جماعية مقبلة، ومن يطلب منهم الاستعداد لتغيير في الملبس والمأكل، ومن يعد بأفغانستان جديدة.. ومن يضخم الأمور ومن يقزمها.. لكن المنعطف بالنسبة لي كان يوم 11 يناير عندما أعلن الشاذلي استقالته.. في تلك اللحظة تولد لدي شعور بأن الجزائر دخلت في نفق مظلم.. وتجدد لدي هذا الشعور يوم اغتيال بوضياف.. بوضياف الذي كنت أول من استضافه في لقاء مباشر من القنيطرة ليلة الفاتح نوفمبر 1990 ثم آخر من التقاه في لقاء الصحافة قبل أن يتوقف البرنامج في أبريل 1992..
6 -دعنا نتحدث عن أسباب مغادرتك التلفزيون الجزائري رفقة عدد من بين أهم الإعلاميين الذين صنعوا مجد التلفزيون في تلك الفترة ؟
من الصعب أن تتحدث اليوم عن حقيقة ما جرى في الفترة التي غادرنا فيها الجزائر، لازال الناس ينظرون إلى مأساة التسعينيات بكثير من الانفعال.. وأتفهم تماما ذلك.. هناك من فقد أحباءه بأيدي إرهابيين ومن فقدهم بأيدي عسكريين.. ومن لا يدري من قتلهم .. يصعب أن تدلي بشهادتك وتجربتك الشخصية.. ما رأيته و ما عايشته شخصيا هو أن إرهابيين محسوبين على الفيس هم من هددوني.. وهم من قتلوا معظم أصدقائي.. هم من كانوا يهاجموننا في خطب الجمعة ويصدرون فتاوى ضدنا بلا مبرر .. قياداتهم كانت ترفض التنديد بقتل الصحفيين والمثقفين.. كانوا يسموننا طواغيت لمجرد أننا صحفيون .. في مقابل هذا، لم يكن النظام أكثر رأفة بالصحفيين، خاصة إذا لم يشعر بولائهم المطلق.. أتذكر أنني التقيت في أواخر مارس 1992 الأخضر الإبراهيمي وقد كان وزيرا للخارجية، حتى نحضّر لمقابلة الرئيس بوضياف بالاشتراك مع الزميل برهان نظام الدين من أم بي سي، حدثته عن ضرورة أن أسأل بوضياف عن معتقل عين أمڤل وعن حظر جبهة الإنقاذ.. فأجابني: هذه أسئلة فضولي وليست أسئلة صحفي.. عندئذ عرفت أن كل ما بذلناه من أجل إعلام حر ونزيه قد انهار.. ثم بدأت الاغتيالات وبدأنا ندفن أصدقاءنا واحداً تلو الآخر.. وما عاد أمامنا من خيار إلا الموت أو الهجرة أو انتظار مرور العاصفة .. هكذا خرج من خرج وبقي من بقي واستفاد من استفاد وقاوم من قاوم وقتل من قتل.. هناك من يتحدث اليوم عن جرائم قادة الجيش وينسى جرائم الإرهابيين، وهناك من يفعل العكس..  لا يجب تحريف التاريخ، لا من إثارة الأحقاد، فكل سيلقى جزاءه عند ربه،  ولكن من باب الوفاء لمن قتلوا ومن باب أن نحفظ الدرس ولا نكرر تلك المأساة المخجلة.
7-إلى أين توجهت بعد مغادرتك التلفزيون أي ماهي المحطة الإعلامية التي توجهت إليها ؟
انتقلت في أواخر 1994 إلى أبوظبي.. كانت الهجرة في تلك الظروف أشبه بموت معنوي.. هناك من انتقل إلى القبر ومن انتقل إلى الخارج… كان علي أن أبدأ تجربة صحفية جديدة من الصفر.. وأن أثبت جدارتي كل يوم، وأن أتأقلم مع وسط غريب عني ثقافيا واجتماعياً .. لكن يجب أن أقول أنني وجدت كثيرا من التعاطف لما كان يواجهه الصحفيون في الجزائر..
طبعا، هذه التجربة أفادتني على الصعيد المهني، من خلال الاحتكاك بمشارب صحفية مختلفة.. كان معي زملاء من أكثر من عشرين جنسية عربية وغربية.. وهي التجربة التي أثريتها أكثر حين انتقلت في 2006 إلى واشنطن.. قبل أن أعود مرة أخرى إلى منطقة الخليج.
8- كيف ترى واقع الإعلام اليوم في الجزائر ؟
لم أنقطع أبدا عن متابعة المشهد الإعلامي في الجزائر.. أعتقد أنه جزء من المشهد العام.. لا يمكن أن ينتشر الفساد المالي والإداري في مفاصل الدولة، وينجو الإعلام من ذلك.. الصحافة المكتوبة التي تأسست جرائدها في بداية تسعينيات القرن الماضي استطاعت أن تحفظ ماء وجه الإعلام.. كما أن ظهور القنوات الخاصة ساعد على بروز مواهب وطاقات إعلامية متميزة، رغم كل المآخذ التي يتحمل مسؤوليتها القائمون على تلك القنوات.. لكن الأكيد أن ما بعد 22 فبراير كشف أننا بحاجة لثورة حقيقية في هذا المجال.. شهادة وفاة المصداقية يوقعها الجمهور عندما يشاهد نفس الصحفي الذي يدافع عن بوتفليقة في يناير، هو من يهاجمه في فبراير.. هناك حد أدنى من الأخلاق المهنية لا مجال للتفاوض عليه.. كلنا نواجه ضغوطا في عملنا، لكن دورنا هو أن نقاوم تلك الضغوط حفاظا على مصداقيتنا ومصداقية المؤسسات التي نعمل فيها.. أما بالنسبة للإعلام العمومي، الذي تموله ضرائب الجزائريين ويفترض أن يقدم خدمة إخبارية لعموم الجمهور، فلا وجود له في الجزائر، رغم الطاقات الصحفية الهائلة التي يزخر بها.. ربما كان هناك إعلام شبه عمومي بين نهاية 1989 ومنتصف 1991.. أي في الفترة التي ألغى فيها حمروش وزارة الإعلام.. لكن، حتى في تلك الفترة، كان التلفزيون تحت وصاية رئاسة الجمهورية التي لم تعترض على هامش الحرية المتاح، غير أنها قررت إلغاءه بعد تفاقم الأزمة السياسية وتدخل الجيش في جوان 1991.
9- كما تعرف أن الجزائر تعيش الآن أحداثا غير مسبوقة كيف ترى الحراك الشعبي في الجزائر وهل حرّر الإعلام فعلا ؟
الأسابيع الأولى من الحراك لم تحرر الإعلام، بل فضحه في اعتقادي، كما أوضحت ذلك قبل قليل.. لكنني متأكد أن الإعلام سيتحرر، إذا تحررت الحياة السياسية.
كنت دائما أقول إنني أفضل أن أكون متشائما، حتى أتفادى خيبات الأمل.. لكن حراك أو ثورة 2019 غيرت رأيي في ذلك.. لقد أمضيت شهر أبريل الماضي في الجزائر، فاكتشفت جيلا جديدا لم أتوقعه أبدا.. بإمكانك أن تحلم الآن ببلد يقبل التنوع والاختلاف والتداول على السلطة وتمجيد العدالة.. هذا ما رأيته في هذا الجيل.. أو هذا ما أردت أن أراه..
في الوقت ذاته، يجب أن أقول أن أسهل ما يمكن أن نحققه بهذا الحراك هو أن نغير السلطة السياسية.. لكن النصر الحقيقي لن يتحقق إلا حين يغير كل واحد منا نفسه.. لنقبل من لا يشبهنا ونحمي حقوق بعضنا البعض ونحتكم جميعا للقانون ونحترم قيمة العمل ونغرس في أولادنا حب المعرفة ونتعلم أن “الدين المعاملة” وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ..عندما يهزم كل واحد منا الديكتاتور الذي يعيش في داخله.. عندئذ سنهزم الديكتاتورية..وسيكون الحراك قد حقق كل أهدافه..
ممكن كلمة لهؤلاء الشخصيات :
مدني عامر :
من القلائل الذين يملكون خبرة، وليس فقط أقدمية في التلفزيون
لخضر بريش:
 أحلى الذكريات
خديجة بن قنة :
الأيقونة
مولود حمروش :
شيخ طريقة
عبد الحميد مهري :
يشعرك أنه صديق بمجرد أن تلتقيه..
عباسي مدني :
رحمه الله
الرئيس الشاذلي بن جديد :
نقيض الرئيس هواري بومدين
كلمة أخيرة لخبر برس 
أتمنى أن تكونوا فضاء يثري النقاش الحر ويقدم الإضافة ويعتمد الصدق في المعلومة والنزاهة في الطرح والشجاعة في المقاربة .. كل الشكر على هذا الحوار الذي لم أثر فيه بعض انزلاقات الماضي إلا من باب الاحتياط للمستقبل ..
الوسوم

علاء الدين مقورة

صحفي مهتم بالشأن السياسي والثقافي رئيس تحرير سابق لعدة جرائد إلكترونية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق