أقلام و آراء

الصورة المشهدية في القرآن والحديث

برنامج رمضاني مرئي من تقديم الدكتور مفتاح خلوف يستحق الاشادة و التثمين

في ظل الجائحة الراهنة التي مست العالم ومع الالتزام بقواعد الحجر المنزلي ، في خطوة جريئة جدا ومبادرة هي الأولى من نوعها عبر التطبيق الافتراضي على مواقع التواصل الاجتماعي تبنى الأستاذ الدكتور مفتاح خلوف إلى بث حصص مرئية للباحثين والطلبة والمهتمين بالنص القرآني ، عبر مسرح العلمة الجهوي في أول حصة من برنامجه خلال سلسة نشاطاته الرمضانية و الذي أطلق عليه تسمية معارج الأرواح ومقامات الأفراح في رحاب رمضان ، منتدى المشهدية في الكتاب والسنة ، الصور المشهدية في القرآن والحديث وسيتواصل البرنامج طيلة شهر رمضان المعظم أين سيعمد فيه الأستاذ استضافة نقاد مسرحيين وأساتذة جامعيين للحديث بالشرح والتحليل والنقاش المستفيض حول القصص القرآني الذي يعد أحد الجوانب الحيوية في القران الكريم اقتضت حكمة الله أن يتبوأ حيزا واسعا هاما ، والذي جاء لمقتضي ترسيخ البعد الجمالي للقصص القرآني من حيث أساليب عرضه وطرائق سرد أحداثه.

الأستاذ خلوف في عدد حلقته الأولى استضاف الأستاذ والناقد عبد الحميد ختالة من جامعة عباس لغرور خنشلة ،وقال معد الحصة خلوف أن هناك عملا فنيا بالغ الأهمية وراء المسحة الجمالية للقصص القرآني من خلال كل عرض قصصي يسوقه القرآن الكريم ، فكلام الله مشحون بكثافة تصويرية بديعة ومتنوعة اذا لا يمكن أن ننخرط في قراءة نبأ قصصي إلا وترتسم في مخيلتنا مشاهد وصور مفعمة بالحياة والحركة ذات تأثير عجيب في المتلقي
وفي سؤالنا للباحث خلوف عن سبب اختياره وتسليطه الضوء عن النص القرآني قال : القصص القرآني خليق بأن يستميل انتباهنا ويستأثر اهتمامنا بما يشيعه في الأنفس من انفعالات وأفعال ورود أفعال تجعلنا نتابع الأحداث والأدوار والأحداث وظروفها وأزمنتها وأمكنتها وكأننا نعايشها ونتلقفها من هذا المنطلق كان حري بي اثارة هذا الموضوع ومحاولة تقديم قراءة فيه
أضاف الباحث المسرحي خلوف أن المشهد التصويري القرآني يشع جمالا واجلالا وهو جانب تصويري هام في الخطاب القرآني تتضح عناصر البناء ء فيه وهي تتلاصق أو تتضاد أو تتوازى ثم تلتحم وتنضم وتندمج جمعيها مكونة من الشكل العام للمشهد أو الوحدة الكلية التي تحتويه وكل عنصر من عناصر البناء يحمل دلالته الخاصة التي تتنامى في انسجام مع دلالات العناصر الأخرى بحيث يعطي الجزء دوره الفاعل في اتمام الصورة أو المشهدية الكلية من ثم يبرز من خلال المعنى العام ، هذا التوافق الموجود بين العناصر يشكل العلاقة القائمة بين الجزئيات مما يترتب عليه تحقق الانسجام وتتأكد الوحدة في المشهد والصورة والجمع بين الأشكال والجزئيات والدلالات وسيلة لتحقيق الوحدة مما يتيح للمتأمل والمتدبر للخطاب القرآني أن يرى منذ الوهلة الأولى الصورة والمشهد ثم يتدرج نحو رؤية الجزء ، وحينها تتحقق الوحدة عن طريق الفكرة والأداة التعبيرية تكون في أوج قوتها
يضيف مستشار وزارة الثقافة لاختيار الأعمال المسرحية وتقييمها قبل تقديمها للإنتاج القرآن يرسم الصورة ويعرض المشهدية بحيث تتوافر له جماليات التناسق الفني في وحدة المشهد التصويري وتوزيع أجزائه وهذا ما تجسد في قصص سيدنا يوسف عليه السلام ، فالوحدة التصويرية تقتضي التنويع ليتم التناسق مع الأجزاء وتكمن دلالة هذا التنويع في أن التصوير عنصر هام أساسي في أسلوب الخطاب القرآني وأن التعبير لا ينتهي إلى الذهن مجردا ، إنما ينبض بطبيعته بصورة حية للمعاني مكتملة .
صاحب المشروع المرئي قال إن استخدام القرآن الكريم للفظ كعنصر جزئي استخدام قد يتلاءم مع وحدة السياق اذ يتحدد دور الكلمة من خلال المعنى العام الذي تحتشد كل العناصر لإبرازه ومن ثم تتغير وظيفة الكلمة كأداة فنية تعبيرية حسب الوحدة التصويرية التي تنضوي في اطارها العام فالأسلوب البياني بلغ حدّ الإعجاز وكان تأثيره في النفوس نافذًا ومخترقًا لأعماق النفس
فثمة تناغم في الإيقاع الموسيقي ينساب من الحروف المتآلفة ، والكلمات المتوازنة والألفاظ بما تحمله من دلالات في المعنى وإيقاع النسق العام – تتلاقى في عبارات يحكمها رنين الإيقاع وتتوالى منظومة الألفاظ والعبارات في سياق دلالي – فتعطي للمعنى عمقًا ، وللأداء تصويرًا ينفذ إلى القلب فيهزه وإلى الوجدان فيرققه
جمال التعبير القرآني حسب خلوف لا يتأتّى من توالي الألفاظ أو العبارات ، فمجرد السرد اللفظي لا يدل على جمال في ذاته ، أو روعة في أدائه.. وإنما يتحقق ذلك من خلال التناسق في الدلالة ، والتآلف في المعنى ، والتناغم في النسق فليست للألفاظ جماليات خاصة بها.. تلازمها كلما استخدمت ، أو نُطق بها ، فاللفظ لا تكمن فصاحته وبلاغته في ذاته ، فقد يجمل ، وقد يقبح حسب الأسلوب وطريقة الأداء ، فليس للألفاظ حسن ذاتي منفرد ، وإنما حسنها يكمن في تآلف الدلالة وانسجام المعنى ، مع تلاؤم في الحروف وبُعد التنافر، وتمايز في الصورة ، وتواصل في الإيقاع ، فاللفظ القرآني دائما حسب محدثنا له معناه الخاص به ، يتجلى فيه هذا الإشعاع التصويري الجميل ، له تفرده ودقته من حيث المعنى والدلالة والسياق ، مما ينتفي معه الترادف.. وإن لاح الأمر من حيث الشكل.. فالسياق يضفي على اللفظ مصاحبات دلالية وتصويرية تعطيه ملمح التفرد والتميز..
واستدل بالآيات الكريمات :
قال تعالى: ﴿ وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرٰتِ كَذٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴾ فاطر
وهنا قال نحن أمام مشهد كوني ، يتسم بالحركة والحياة والتدفق في ايقاع ينتظم فيه المشهد كله بجزئيات صوره الثلاث .. الرياح – الماء – الثمرات .. اذن هي صورة مشهديه مادية أمام هذه الصورة المشهدية الحية تربط بين الحياة الناشئة بقدر الله في الأرض وبين البعث يوم القيامة وفق قدر الله ومشيئته وكأن الله سبحانه وتعالى ينقل هذا العبد الضعيف من هذه الصور المشهدية المتتابعة التي يراها في صورة نمطية معتادة يومية لينقله إلى معنى أعمق ودلالة أقوى أو ما يصطلح عليه بمعنى المعنى يقول خلوف .
وفي موضع آخر :
﴿ وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَاۚ كَذَٰلِكَ النُّشُورُ ﴾ ، في هذه الآية يربط الله سبحانه وتعالى هذه الصورة المشهدية المتتابعة والصورة المادية بصورة البعث يوم القيامة ، فتتابع الصورة المشهدية مقرون بمبدأ العلية في ربط هذه الحوادث ببعضها البعض أي ربط الحسي المُشَاهَد والمعنويّ المغِيب في آيات كثيرة في القرآن الكريم دائما حسب محدثنا .
الدكتور والناقد ختالة قال بأن ثلي القرآن ورد سردا أي قصص مما يتوجب صناعة مشهد وصناعة حدث بإمكان القارئ أن يتصور هذا الحدث ، ختالة وضح وفصل وبين الفرق في القصص القرآني بين مسألتي المشهد المتحرك والثابت واستشهد بحادثة النبي عزير في سورة البقرة ﴿ أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها ﴾ ، ﴿ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَاۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ﴾ كذلك ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَن نَّفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِۖ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَۖ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ﴾ و فسر ختالة هذا المشهد بالصورة المشهدية الكاملة وعبر عن لفظ َ” غلَّقَتِ ” وقال بأن اللفظ يستدعي وجود مكانين ، مكان المغلوق والمنغلق عنه ، أيضا وجود أفعال تدل عن وجود حركة في لفظ ” وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ ” وقال بأن النص القرآني يستدعي منا تجزيئ الصورة المشهدية ولا يمر عليه مرور الكرام وعلينا التدبر فيه مستدلا بحادثة النملة مع النبي سليمان عليه السلام .

بقلم / أ . لخضر . بن يوسف

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق