أقلام و آراء

أين تقع الأزمة الليبية الراهنة وتركيا في مكونات الشَّفَرَة السرية التي جسَّدها العام 2015 الذي تغير فيه شكل العالم؟!

خبر برس – رأي :ما تزال الأزمة الليبية الراهنة تلقي بظلالها لا على مستقبل هذه الدولة، ولا على مستقبل الإقليم المغاربي بل والشمال إفريقي برمته، وإنما على طبيعة الفكر السياسي الذي يحكم مواقف كل طرف من أطراف الأزمة الخارجيين تحديدا، ونركز في هذا السياق على الأطراف الخارجيين بسبب أن الأطراف الداخليين غدوا في كل أزمات العرب التي فجرها ما عُرِفَ بالربيع العربي، خارج مساحات صناعة الأحداث، لأنهم جعلوا من أنفسِهم مجرد أدوات يستخدمها صُناَّعُ الأحداث الخارجيين.

ومع أن الأزمة الليبية تبدو معزولة نسبيا عن أزمات المشرق العربي في سياقه الشرق أوسطي، إلا أن تداعياتها الإقليمية والأوروبية والعالمية تكشف عن عدم صحة تصور هذا العزل حتى مع افتراض نسبيته، خاصة إذا تمكنا من قراءة أنها – أي هذه الأزمة – من وجهة نظر أميركية جزءٌ من صياغة الخرائط الإقليمية للمنطقة كما تخلَّقَت وجهة النظر هذه على مدى عقودٍ مضت. وهو الأمر الذي يستدعي منا العروج على ما من شأنه فهم الإطار العام الذي تتحرك في داخله السياسة الأميركية في الشرق الأوسط، ففي ذلك ما سيكشف لنا عن تَمَوْضُع كلٍّ من روسيا وتركيا وأوروبا في هذه الأزمة.

فهناك بادئ ذي بدء ضرورة للإقرار بأن سياستين أميركيتين تبدوان متناقضتين تناقضا عميقا مثلتا منعطفات المسار التاريخي لتلك السياسة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وهاتان السياستان هما:

الأولى: وهي السياسة التي انطلقت مع تفكُّك الاتحاد السوفييتي عام 1992، واستمرت حتى نهاية العام 2015 تقريبا، وهو العام الذي تَوَّجَهُ الاتفاق النووي “5 + 1” مع إيران.. وقد كانت هذه السياسة تقوم على مبدأ صياغة شرق أوسط بثلاث ركائز هي: “إيران” و”تركيا” المتنافستين من جهة، و”إسرائيل” التي يجب أن يمثل دورها الإستراتيجي بوصلة ذلك التنافس من جهة أخرى.. فيما العرب جميعا هم محل التنافس الإيراني – التركي، وفيما مصيرهم رهن دائما باستمرار بوصَلِيَّة الدور الإسرائيلي، لا فرق في ذلك بين “سوريا”، و”العراق”، و”السعودية ومعها زوائد الدود الخليجية”، و”مصر” من حيث المبدأ، وإن اختلفت تفاصيل التعاطي مع كل حالة من وقت لآخر!!

الثانية: وهي السياسة التي انطلقت مع بداية العام 2016، عندما تولي “دونالد ترامب” سدَّة الرئاسة في الولايات المتحدة، مع أن معالم هذه السياسة كانت قد بدأت تتضِحُ جلية خلال الأشهر الأخيرة من حكم الرئيس “باراك أوباما”، وتحديدا بعد حدثٍ مهم، هو ذلك اللقاء الذي جمع أوباما بزعماء الخليج لرأب الصدع الذي تسبب فيه الاتفاق النووي مع إيران، والذي فشلت فيه كل محاولاته لإقناع الخليجيين وعلى رأسهم السعودية، بأن الولايات المتحدة ستضمن أمن الخليج بكل الوسائل، ولن يعوقها عن ذلك شيء مهما كان، حتى الاتفاق النووي الذي بدا واضحا أنه اتفاقٌ صيغَ ليكون ضد السعودية بالدرجة الأولى، وليس ضد إسرائيل كما يتوهم الكثيرون.

وهذه السياسة بدأت تتجسَّد على الأرض عقب ذلك اللقاء التاريخي بين ترامب والملك سلمان وولي عهده في الرياض منتصف العام 2017، والذي كشف عن انقلابٍ خطير في كل السياسات الأميركية، بما عزاه معظم المحللين والمراقبين إن لم يكن جميعهم، إلى أمرين اثنين هما:

أ – مزاجية الرئيس ترامب وعقليته الخاصة كرجل أعمال وتاجر.

ب – ما أطلق عليه أعداء السياسة السعودية بـ “جزية القرن”.

وقد بدا واضحا أن السياسة الأميركية الجديدة هذه تقوم على إحداث تغيير جوهري وعميق في ركائز المثلث الذي يجب أن تدور سياسات ومصائر الشرق الأوسط في كَنَفِه، وهو التغيير الذي أبقى على “إسرائيل” في موقعها ذاته بوصف دورها الإستراتيجي هو “البوصلة”، وعلى “تركيا” بوصفها الركيزة الثانية في الكتلة المتنافسة على النفوذ في الإقليم، ليتم استبدال “إيران” بـ “السعودية” كركيزة أولى في هذه الكتلة، في سعي محموم لإخراج إيران خارج منظومة الأطراف المركزية في خريطة التنافس هذه إخراجا يكاد كليا، أو على الأقل إخراجا يُفْقِدُها الدورَ الذي كان مرسوما لها أن تضطلع به بموجب سياسات ما قبل نهاية عام 20015.

وكل ما يجري في الإقليم منذ اعتلاء ترامب عرش البيت الأبيض وحتى الآن هو مؤشر واضح لا يدل إلا على ذلك!!

بطبيعة الحال، فنحن لا نتحدث هنا عن روسيا التي دخلت على الخط، أو التي أُدْخِلَت على الخط من خلال أحداث ومفاعيل الأزمة السورية منذ عام 2012، لأنها أكبر قليلا من أن تكون منافسا لهذه الدولة الإقليمية أو لتلك مثل “إيران” أو “تركيا” أو “السعودية”، وأقل كثيرا من أن تنافس الولايات المتحدة كمايسترو عالمي يعتبر نفسه وتعتبره روسيا نفسها صاحب القرار الأول والأخير في رسم الخرائط في الإقليم.

إن روسيا إذ تتمتع بتلك الصفة الأعلى قليلا من قوة إقليمية، والأدنى كثيرا من قوة عالمية، فلأن الخريطة الجديدة أعطتها – أي أعطت روسيا – دور الوصيف الأول الذي سيتولى إدارة جوقة الإقليم نيابة عن “واشنطن” وفق السياسة العامة التي وضعتها هذه الأخيرة، مع بعض المزايا والمكتسبات التي سيحققها هذا الوصيف لنفسه على صعيد طموحاته الإقليمية المتمترسة في قلب النزعة “الأوراسية الدوغينية الجديدة” التي تقوم عليها وترتكز إليها سياسات “النخبة البوتينية” في الكرملين!!

وفي هذا السياق فإننا نتساءل بجدية في ظل انعدام أيِّ موضوعية وعقلانية في تبرير السياسة الأميركية الجديدة، حينما يتم عزوها:

من جهة أولى إلى مزاجِ وتقلبِ رئيس في دولةِ مؤسساتٍ وعلمٍ ومعرفةٍ تقوم سياساتها الخارجية على قرارات أهل العلم والمعرفة ومراكز القوى الاقتصادية والمالية والعسكرية والإعلامية والثقافية في تلك الدولة القارة على نحو لا يمكن للرئيس أن يخرج عنها على النحو الانقلابي المُشاهد..

ومن جهة ثانية إلى اعتبار أن أميركا تقلبُ كل الدنيا لأجل تعاون اقتصادي وعسكري وتجاري هزيل يثير السخرية مع السعودية بسبب ضآلته وهزاله، عندما تمكنت من توقيع اتفاقيات بقيمة تقارب الـ 400 مليار دولار من المنافع المتبادلة بين البلدين على مدى عشر سنوات، تميل كفة الانتفاع فيها إلى الجانب السعودي أكثر من ميلانها إلى الجانب الأميركي، عندما تتمُّ قراءة المنافع بشكل عميق وتاريخي ومستدام، وليس بشكل سطحي وآني ورقمي مطلق، وهي المنافع المقدرة بما يقل قليلا عن 40 مليار دولار سنويا..

نعم.. إننا نتساءل في هذا السياق عن “الشَّفرة السرية الحقيقية” التي بإمكانها أن تُفَكِّكَ لنا مكونات هذا الانقلاب الخطير والجذري والجوهري في السياسة الأميركية الشرق أوسطية، متوخين الحصول على إجابات تحترم عقولنا ولا تغرقنا في الأوهام، مسوِّقَة لنا العجز عن فهم ما حدث:

بتصوير أميركا تبيع سياستها التي بنتها على مدى 23 سنة من التنفيذ المباشر، امتدت من عام 1992 حتى عام 2015 مُنْفِقَةً تريليونات الدولارات على تلك السياسة لتثبيتها وترسيخها وتجذيرها، مُدَمِّرَة لأجلها بلدا مثل “العراق” ومخرجة إياه من نسق سيرورته القومية العروبية لتدخله في نسق سيرورة هيمنة إيرانية واضحة لا لبس فيها..

بعد أن كانت قد أسَّست لتلك السياسة على مدى 21 سنة سبقتها امتدت من عام 1971 المعروف بعام “صدمة نيكسون” التي بلبلت الاقتصاد العالمي، وأقحمته رسميا وعلى نحو استعبادي في عهد عبودية “البترودولار”، وحتى عام 1992 عندما تم استكمال تفكيك الاتحاد السوفييتي..

إننا في واقع الأمر أمام واقعة تكشف بوضوح عن أن العام “2015” يمثل العام “الشَّفرة” في هذا الانقلاب، وعلينا من ثم أن نخرج من صناديق أوهامنا وعجزنا وأيديولوجياتنا البائسة المتآكلة المتهالكة، كي نفهم ما حدث بشكل علمي وموضوعي، وإلا فإننا لن نفهم ما سيحدث لاحقا، وسوف نغرق ونحن نرسم معالم مستقبلنا، في مستنقع تلك الأوهام والأيديولوجيات، وفي مستنقع ذلك العجز!!

ولكننا سنقفز – الآن على الأقل – عن عملية التفكيك المعقدة التي من شأنها الكشف عن السر وراء ذلك الانعطاف الكبير في السياسة الأميركية لتتحول من النقيض إلى النقيض فيما يتعلق بمواقع كل من “إيران” و”السعودية” إلى فُرَصٍ أخرى ملائمة ومواتية، بسبب التعقيدات والتشابكات التي أدت إلى هذا المنعطف الخطير، والتي تتطلب منا مناقشة أمور غير نمطية بطرق أكثر بعدا عن النمطية، منطلقين إلى النتيجة التي يفرضها أحد المُكَوِّنات الثابتة في تلك السياسة، وهو المتعلق بموقع “تركيا”، والتي يفرضها معه وإلى جانبه المكون المستجد فيها وهو المتعلق بموقع “روسيا”. وهو ما سنتركه إلى مقالنا القادم.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!
إغلاق